ابن حزم

461

الاحكام

العرايا نسخ بالنهي عن المزابنة ، وبقولهم : لعل القصا ص بغير نسخ بالنهي عن المثلة ، وليقولوا بقول من منع أن يمسح على الخفين ، وقال : لعل ذلك نسخ بآية الوضوء التي بالمائدة ، وليأخذوا بقول ابن عباس في إباحة الدرهم بالدرهمين ، ويقولوا : لعل النهي عن ذلك نسخ بقوله عليه السلام : إنما الربا في النسيئة وليأخذوا بقول عثمان البتي في إبطال العاقلة ، ويقولوا : لعل حكم العاقلة نسخ بقوله تعالى : * ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * وليبطلوا السلم ويقولوا : لعله نسخ بنهيه عليه السلام عن بيع ما ليس عندك ، ويستحلوا أكل الحمير والسباع ويقولوا : لعل النهي عنها منسوخ ، بقوله تعالى : * ( قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما ) * الآية . فإن أبوا من كل ما ذكرنا ، وقالوا : لا نقول في شئ من ذلك إنه منسوخ إلا بيقين فكذلك يلزمهم أن يقولوا أيضا بقول ابن عباس : إن الآية القصرى نسخت الآية الطولى فيوجبوا خلود القاتل من المسلمين في نار جهنم أبدا ، فإن أبوا ألزمهم مثل ذلك في آية الوصية ولا فرق . وكذلك القول فيمن قال في رضاع سالم ، فإنه لما كان مرتبطا بالتبني وكان التبني منسوخا ، بطل حكم التعلق به لبطلانه ، وكل سبب بطل فإن مسببه يبطل بلا شك ، فإن هذا أيضا خطأ ، لأنه لم يأت نص ولا إجماع ولا ضرورة مشاهدة بأن هذا الحكم مخصوص به التبني فقط ، بل هو عموم على ظاهره ولا يجوز تخصيصه بالدعوى بلا نص ولا إجماع . فهذه الوجوه الأربعة لا سبيل إلى أن يعلم نسخ آية أو حديث بغيرها أبدا ، إما إجماع متيقن ، وإما تاريخ بتأخر أحد الامرين عن الآخر مع عدم القوة على استعمال الامرين ، وإما نص بأن هذا الامر ناسخ للأول وأمر نتركه ، وإما يقين لنقل حال ما فهو نقلي لكل ما وافق تلك الحال أبدا بلا شك . فمن ادعى نسخا بوجه غير هذه الوجوه الأربعة فقد افترى إثما عظيما وعصى عصيانا ظاهرا ، وبالله تعالى التوفيق . فمما تبين بالنص أنه منسوخ قوله تعالى : * ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ) * ثم قال تعالى : * ( فلنولينك قبلة ترضاها ) * فهذا تأخير لائح أن القبلة التي كانت قبل هذه منسوخة وأن التوجه إلى الكعبة كان بعد تلك القبلة . وهذا أيضا له إجماع ، ومثل قوله تعالى : * ( فالآن باشروهن ) * فنسخ بذلك النهي عن الوطء في ليل رمضان ، ومثل قوله تعالى : * ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) * نسخ به قوله تعالى : * ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ) * وهذا نقل مسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإجماع ، يعني نسخ إباحة